الثلاثاء, 30 تشرين1/أكتوير 2018 17:55

أُسْتَاذِيَّةُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ

يُعتبر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (1877-1960م) من العلماء المعاصرين الذين  انطلقوا من القرآن الكريم  في تأسيس مقولاتهم  الإصلاحية، وتأثيل المفاهيم المؤطرة  لرؤاهم  التجديدية، والذي اشتغلوا بالقرآن الكريم في كل مراحل دعوتهم ، بل إن  العنوان الأبرز للمشروع  الإصلاحي والإحيائي  للإمام  النورسي هو  إنقاذ الإيمان  بالقرآن، علما  بأن  النورسي(1)  قد  عاش  في أواخر  الدولة  العثمانية الآيلة للسقوط والتفكك، وتزامن  ذلك  مع تكالب الأعداء شرقا وغربا من أجل الإجهاز  على  الدولة  العثمانية في  عهد السلطان  عبد الحميد  الثاني(ولد سنة 1842م وخلع سنة 1909 وتوفي سنة 1918، استمرت مدة حكمه 32 سنة وأشهر) (2) ، بما ترمز إليه  من دولة  الخلافة من منعة الإسلام  ووحدة المسلمين، لكأني بواقع  المسلمين  وقتئذ يتنزل عليه  قول الرسول صلى الله  عليه وسلم:"" يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قُلْنَا : مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ:لا، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ،قِيلَ: وَمَا الْوَهَنُ؟قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ " (3) .

ثم مرت  الأيام  العاصفة  على  الدولة  العثمانية  قبل الحرب العالمية  الأولى كنذير نحس، وبعدها كأيام بؤس، لتجد أن  أغلب أراضيها محتلة من طرف الدول الإستعمارية، مما عجل بسقوطها، الأمر  الذي  سهل  على جمعية  الاتحاد والترقي الاستيلاء على  الحكم، وإعلان  تركيا الفتاة  دولة خرجت من السلطة العثمانية المنهارة، وعندما استقر الأمر بيد مصطفى كمال ألغى الأحكام الشرعية واستبدلها بقوانين غربية، وقضى على كل المعارضين تصفية أو نفيا، وفرض النموذج الثقافي الأوروبي في العيش و نمط الحياة، بل استبدل الحرف العربي بالحرف اللاتيني في الكتابة والتدوين، وجعل الأذان باللغة التركية بدل اللغة العربية.

في هذا السياق وفي هذه الأوضاع فكر بديع الزمان ما هو السبيل الأقوم إلى الإصلاح؟ وما هو المنهج الأنجع لمقاومة هذا المد العلماني التغريبي الذي يريد أن يستأصل كل ماله علاقة بالإسلام عقيدة أو شريعة أو أخلاقا في بلاد الأناضول؟ فلم يجد بُدا من الرجوع إلى القرآن العظيم باعتباره المفتاح الأول (4) والأساس الركين لفهم دعوة النور التي قدح النورسي وميضها في ربوع تركيا، ثم أضاءت في كثير من عالم المسلمين اليوم.

النورسي حافظ القرآن وداعية القرآن وذواق القرآن ومتدبر للقرآن وخادم القرآن، ولكن قبل ذلك هو تلميذ للقرآن الكريم، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات ومعاني، ولذلك كان تلقيه لكلمات القرآن الكريم ورسالاتها من مقام التفكر والتدبر،المدرك لبصائر القرآن الكريم.

ومن البصائر النفيسة التي أدركها بديع الزمان سعيد النورسي بعد طول مكابدة لآي الذكر الحكيم، بصيرة "أستاذية القرآن الكريم" فالمقصود بها؟ وما معالمها؟ وما صور تنزيلها في سلوك المؤمن؟ وما هي لطائفها في مسيرة جماعة النور؟ وقبل ذلك وبعده ما حقيقة القرآن الكريم عن بديع الزمان؟.

1 - حقيقة القرآن الكريم عند النورسي؟

يُجيب النورسي عن السؤال الآتي (5)، فإن قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك: هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسِّرُ كتاب العالم.. كذا هو كشاف لمخفيَّات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض.. وكذا هو مفتاح لحقائق الشؤون المُضْمَرة في سطور الحادثات.. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة.. وكذا هو خزينة المخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية.. وكذا هو أساس وهندسة وشمس لهذا العالم المعنوي الإسلامي.. وكذا هو خريطة للعالم الأخروي.. وكذا هو قول شارح وتفسير واضح وبرهان قاطع وترجمان ساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه.. وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني.. وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية.. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي إلى ما خُلق البشرُ له.. وكذا هو للإنسان: كما أنَّه كتاب شريعة كذلك هو كتاب حكمة، وكما أنَّه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أمر ودعوة، وكما أنَّه كتابُ ذكر كذلك هو كتابُ فكر، وكما أنَّه كتابٌ واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمنزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل. حتى إنَّه أبرز لمشرب كل واحدٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلكِ كل  واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالةً لائقةً  لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنَّه مجموعة الرسائل.

إن القرآن الكريم بالنسبة للنورسي هو النور الذي يبصر به الطريق في تلك الأوضاع التي كانت تتخبط فيها الأمة الإسلامية عموما وبلاد الأناضول خصوصا، لأن القرآن الكريم في نظر النورسي هو روح الكون وترجمان الحياة.

ومن هذا المنطلق جعل النورسي محور دعوته ومشروع الإصلاح هو إنقاذ الإيمان بالقرآن خصوصا بعد انتقاله من "سعيد القديم" إلى "سعيد الجديد"، في ظل التحولات التي عرفتها مسيرة النورسي.

2 - أستاذية القرآن الكريم عند النورسي؟

لا تكاد تجد موقفا أو رأيا أو اجتهادا أو رسالة للنورسي، خصوصا بعد انتقاله إلى مرحلة "سعيد الجديد" إلا مصطبغا بالصبغة القرآنية، ومسترشدا بالآيات القرآنية، يقول النورسي" ولله الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذه الطريق"(6)، ويؤكد المعنى نفسه: «هذا الطريق على نهج القرآن"(7)، ولذلك كان النورسي دائم التذكير لطلابه أن أستاذه الحقيقي هو القرآن الكريم وحده.

وهذه الفكرة لا تتعارض مع تتلمذه على يد الكثير من المشايخ الذين أخذ عنهم العلوم الشرعية والعلوم اللغوية والعلوم الحقة، أو إقباله على الكتب قراءة ومطالعة خصوصا في مرحلة الطلب.

ومن ثم فإن النورسي يؤكد أن أستاذية القرآن الكريم، تفتح للإنسان آفاق رحبة للتعرف على الرحمة الإلهية، حيث يقول:" إن القرآن الكريم يمنح تلاميذه سماء ساميا للروح، وانبساطا واسعا لها، إذ يسلِّم إلى أيديهم بدلا من تسع وتسعين حبة من حبات المسبحة، سلسلة مركبة من ذرات تسع وتسعين عالما من عوالم الكون التي يتجلى فيها تسع وتسعون اسما من الأسماء الحسنى، ويخاطبهم: هاؤم اقرؤوا أورادكم بهذه السلسلة، وهم بدورهم يقرؤون أورادهم بتلك المسبحة العجيبة، ويذكرون ربهم الكريم بأعدادها غير المحددة" (8).

إن هذا المعنى العميق هو الذي جعل النورسي يختار  اسم  النور  لرسائله  التي فسر من خلال القرآن  الكريم ، ويعلل ذلك  بقوله: "ويعلل النورسي لذلك بقوله: (إن قريتي اسمها: نُوْرس، واسم والدتي المرحومة: نورية ، وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين، وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد، وأكثر من يلازمني من طلابي يسمون باسم: نور، وأكثر ما يوضح كنيتي وينورها هو التمثيلات النورية، وأول آية التمحت لعقلي وقلبي وشغلت فكري هي: ﴿اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾(9)، وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو اسم الله (النور) من أسمائه الحسنى،ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين "(10).

أستاذية القرآن الكريم بهذه  التجليات والمقتضيات، جعلت النورسي يخلص إلى أربع خطوات قرآنية لتحقيق العبودية الحقة لله تعالى، وهذه الخطوات هي: العجز، الفقر، الشفقة، التفكر، وهي خطوات مأصولة في المرجعية النورية والمتمثلة في كليات رسائل النور، وتخالف ما استقر في أذهان الكثير من الباحثين والدارسين وإليك دلالاتها ووظيفتها:

أ‌- العجز:

يقول بديع الزمان  سعيد النورسي:" ولا  يذهبن بكم  سوء الفهم إلى  الخطأ، فالمقصود بالعجز  والفقر  والتقصير إنما إظهار ذلك  كله  أمام الله  سبحانه  وليس إظهاره  أمام الناس"(11)، وهذا المعنى الذي  أصله النورسي  يعطي  للمؤمن  قوة  وحرية  باعتباره  كائنا مكرما من  رب العالمين، ويؤكد النورسي أن هذا المعنى استفاده من  القرآن  الكريم، بقوله" وقد استفدت  من فيض القرآن الكريم- بالرغم من فهمي  القاصر- طريقا قصيرا وسبيلا سويا هو: طريق العجز، الفقر ، الشفقة، التفكر"(12)، ويقول  في موضع  آخر:" وجد من كمُل إيمانهم في العجز ومخافة الله  لذة تفوق أية لذة كانت، حتى أنهم تبرءوا إلى  براءة الله  براءة خالصة من حولهم وقوتهم ولاذوا بعجزهم إليه تعالى واستعاذوا به وحده، مقدمين هذا العجز والخوف وسيلتين وشفيعين لهم  عند  الباري  الجليل"(13)، فالعجز في الفكر النوري يوصل إلى المحبوبية عن طريق العبودية، بدليل قوله  تعالى: "فَلَا تٌزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ"(14).

ب‌- الفقر:

المقصود بالفقر في رسائل النور وفي فكر بديع الزمان النورسي، هو افتقار العبد أمام الله  تعالى، وليس أمام الناس، بل إن الافتقار  والفقر هو  الوجه الآخر للعجز، الذي يجسد  تمام  العبودية  للواحد الأحد الفرد  الصمد،  لأن  الإنسان  في غاية الفقر والحاجة، لأن  الشعور  بالفقر في نظر  النورسي يوصل  إلى  اسم  الله «الرحمن" وشاهده قوله  تعالى:" وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ  نَسُوا اللهَ  فَأَنْسَاهُم أَنْفُسَهُم"(15)، فنسيان  الله  تعالى  هو سبب الأنانية  وفرعونية  النفس وتوهم ملكيتها، وبذلك ينسى الإنسان  نفسه أيضا ويغفل  عنها، فإذا فكر في الموت  صرفه لغيره، وهذا الأناني ينسى نفسه أمام التكليف  ويتذكرها في مقام  الأجرة والحظوظ (16)، فهو  يتعلق دائما بالنعم  المحسوسة ويتشبث  بها بمعزل  عن الله  تعالى الذي أنعم عليه  بها، وكل  من لم  يعرف إلا المدركات  الحسية  فقد نسي الله، إذ ليس ذات الله  مدركا في هذا العالم  بالحواس الخمس، وكل من  نسي الله  أنساه الله  لا محالة نفسه ونزل إلى رتبة  البهائم وترك  الترقي إلى  الأفق الأعلى وخان الأمانة، فيكفر حينئذ بنعمة الله  ويتعرض  لنقمته. ومنه فإن استصحاب هذا المعنى لدى المؤمن يجعله أكثر قربا من الله تعالى، وأكثر أنسا به سبحانه وتعالى.

ت‌- الشفقة:

المراد بالشفقة في الفكر  النوري هو ذلك العطف والحنان المركوز في  كينونة المخلوقات، المأصول في فطرة  بني آدم، بيد أن هذه الشفقة الإنسانية في نظر النورسي  تخضع للعوامل الإيمانية  التي  تجعلها تسموا عن الشفقة  العادية، لتصل إلى  درجة الشفقة  الإيمانية، وهذه الشفقة الإيمانية ينتج عنها الشفقة  على  كل المخلوقات،  وكلما تزايدت  فإن الروح  تنبسط، والإقبال على  فعل  الخير يتزايد، وتدفع إلى خدمة البشر رحمة  وتعاونا،" فحسن  تربية صغار الحيوانات وضعافها، وإعاشتها بسهولة ولطف ظاهريين ترياننا أن مالك هذه الكائنات يسيرها بربوبية لا حدّ لرحمتها" (17)

يؤكد النورسي أن القرآن الكريم يخاطب عموم البشرية قائلا:" إن الرسول صلى الله عليهم وسلم ينظر إليكم نظر الرحمة والشفقة من زاوية الرحمة الإلهية ويعاملكم معاملة الأب الحنون من حيث النبوة"(18)، ومن مقتضيات استحضار الشفقة الإيمانية الرأفة بالخلق والرحمة بهم، والحرص على خدمتهم وعدم إذايتهم بأي وجه من الوجوه.

ث‌- التفكر:

إن التفكر في المنهج النوري موصل إلى حقيقة اسم الله "الحكيم"، وتذوق لمعانيها ومقتضياتها، فالمؤمن المتفكر يصبح إنسانا لائقا للأمانة الكبرى التي عرضها الله تعالى:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)(19)، وبالتالي القيام  بوظيفته  الاستخلافية  في توحيد الله وإعمار الأرض.

التفكر في نظر النورسي بحث عن سر، وهو تفكر إيماني أمر الله تعالى به في عديد الآيات القرآنية التي تجعل التفكر من أهم العبادات في الإسلام، التي تُخرج الإنسان العبثية إلى القصدية، ومن اللامعنى إلى الغائية.

بديع الزمان يوجه عناية المتفكرين أن المنهج الأسلم في عملية التفكر، هو ضرورة الجمع بين العقل والقلب، وفي الوقت نفسه وجوب الجمع بين التفكر في كتاب الله المنظور -الكون- والتفكر في كتاب الله المسطور-القرآن-، فذلك نهج الأنبياء وأولى الألباب.

3 - شبابية القرآن وفتوته:

عالم رسائل النور عالم من الأنوار والأسرار، الداخل إليه يندهش للكم الهائل  من المفاهيم والحقائق  والحِكم والأمثلة التي يوردها النورسي من أجل المنافحة عن القرآن الكريم ، وإثبات كونتيه، وهيمنته، وإعجازه، ومن اللطائف النورية التي تستوجب الوقوف والتأمل، هذه اللطيفة:"شبابية القرآن وفتوته" حيث يقول:" إن  القرآن  الكريم  قد  حافظ  على  شبابيته وفتوته حتى  كأنه ينزل في كل  عصر نضرا فتيا، نعم، إن  القرآن الكريم لأنه خطاب أزلي  يخاطب جميع  طبقات البشر في جميع  العصور خطابا مباشرا  يلزم أن  تكون له  شبابية دائمة كهذه، فلقد ظهر شابا وهو كذلك  كما  كان، حتى إنه  يظهر إلى كل عصر من العصور المختلفة  في الأفكار والمتباينة في الطبائع نظرا كأنه خاص بذلك العصر ووفق مقتضياته ملقنا  دروسَه ملفتا إليها الأنظار"(20).

إن آثار البشر وقوانينه تشيب وتهرم مثله، وتتغير وتبدل، إلا أن أحكام القرآن وقوانينه لها من الثبات والرسوخ بحيث تظهر متانتها أكثر كلما مرت العصور(21) .

4 - أستاذية القرآن والأعداء الثلاثة:  الجهل/ الفقر/ الفُرقة

من هذا المنطلق فقد اشتغل النورسي على مواجهة ثلاثة أعداء والمتمثلة في: 1- الجهل، 2-الفقر،3- الفُرقة، حيث يقول:" إن كل مؤمن مكلف بإعلاء كلمة الله، والوسيلة الكبرى لهذا في هذا الزمن هو التقدم المادي. ذلك لأن الأجانب يسحقوننا تحت سيطرتهم واستبدادهم المعنوي بواسطة أسلحة العلوم والصناعات، وسنجاهد نحن بأسلحة العلم والصناعة ضد الجهل والبؤس والفرقة التي هي أعدى أعداء إعلاء كلمة الله"(22).

ويؤكد هذا المعنى في كثير من رسائله، حيث  يؤكد بقوله:" ثم إن  أعداءنا ليسوا هم- أي الأجانب- بل عدونا هو الجهل  وما تولد منه من منع إعلاء كلمة الله وما نتج عنه من مخالفة  الشريعة، ثم  البؤس وثمرته سوء الأخلاق وسوء التصرفات، والخلاف وما  يتولد عنه من الحقد والنفاق، وغاية اتحادنا هي الهجوم على  هذه الأعداء الخالين من الإنصاف"(23).

إن الإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، ليؤكد في كل رسالة من رسائل النور، بل وفي كل صفحة من صفحاتها، أنه تلميذ القرآن وخادم القرآن وأن "أستاذية القرآن" هي ألهمته الانسلاك في مسلك رسائل النور، وجعلته يدرك حقيقة الإنسان ودوره في الحياة ورسالته في الوجود، يقول النورسي: "القرآن الكريم مرشدنا وأستاذنا وإمامنا ودليلنا في كل أعمالنا" (24).

إن رسائل النور هي حقائق إيمانية ومعان قرآنية، وهي نور مستفيض من الآيات القرآنية، ولم تُستَق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاص لهذا الزمان.

إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته(25).

نخلص من هذا كله إلى أن أستاذية القرآن الكريمة نابعة من حقيقة إيمانية و مسلمة وتربوية في وقاعدة سلوكية، المنهج الإصلاحي والإحيائي  لبديع الزمان سعيد النورسي .

-------------------

1 - إحسان قاسم الصالحي، نظرة عامة عن حياة بديع الزمان سعيد النورسي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى 2010م.

2 - محمد مصطفى الهلالي، السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود،دار الفكر، دمشق-سوريا، الطبعة الأولى 2004م.

 3 - رواه أبو داود.

4 - فريد الأنصاري، مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة-مصر،الطبعة الأولى 2010م.

5 -  النورسي، إشارات الإعجاز فيمظان الإيجاز،تحقيق إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، ص21.

6 - النورسي، المثنوي العربي النوري، ص216.

7 -   النورسي، الكلمات، ص561.

8 - النورسي، اللمعات، ص182.

9 - سورة النور، آية 35.

10 - النورسي،سيرة ذاتيةص236.

 11 - النورسي، اللمعات ص431

 12 - النورسي، السيرة الذاتية، ص177.

13 -  النورسي، الكلمات، ص29.

14 - سورة النجم الآية32.

15 - سورة الحشر الآية 19.

16 - النورسي، المكتوبات، ص15.

17 - النورسي، الكلمات، ص73.

18 - النورسي، الكلمات، ص479..

19 -  سورة الأحزاب، الآية 72.

20 -النورسي، الكلمات، ص467.

21 - نفسه الصفحة 467.

22 - النورسي، المثنوي العربي النوري، ص385.

23 -  النورسي، آثار بديعية، ص217.

24 - النورسي، المكتوبات، ص476.

25 -  النورسي،"الملاحق" ملحق قسطموني ص 202.

عبد العزيز الإدريسي