الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 10:44

إسلام المعرفة أم معرفة الإسلام؟

يأتي هذا المقال في سياق التدافع المعرفي، الذي أصبحت المنظومة الإسلامية تشكل فيه الحلقة الأضعف،  نتيجة الشرخ الذي نخر مكوناتها  منذ زمن  بعيد، بعدما ما كانت أمة  تمثل النموذج الحضاري بجميع المقاييس العلمية. فما سر هذا النقص المعرفي؟ وما هي انعكاسات ذلك على الفئات الممثلة لهذا النوع من المجالات، المميزة للمعيار الحضاري للأمم ؟ .

خلال سنوات مضت لم يسعفني القلم لإيجاد أجوبة ، لطالما راودتني أسئلتها عن واقع الأمة الإسلامية، وما آلت إليه من أوضاع ، فكان التساؤل من جهة  والقلق من جهة أخرى، من الدوافع القوية التي حركت فضولي العلمي  للنبش في كتب الأموات، لعلي أجد  ما يجيب عن تلكم الأسئلة المرتبطة بأحوال الأمة الإسلامية في شقها المعرفي على وجه الخصوص .

ولقد استوقفتني كتب الأصوليين حيث لغة الكبار الرصينة حاضرة بقوة، وللكلمة أكثر من رنة، والتمحيص فيها يستدعي استحضار آليات عدة، والتوقف للتأمل يستنزف من المهتم جهدا ذهنيا وقسطا كبيرا من الوقت، سيما وأن الأمر يرتبط  بجهابدة العلماء  الراسخين من أمثال الإمام " الجويني" والإمام " العز بن عبد السلام " والإمام " أبو إسحاق الشاطبي " والإمام " أبو حامد الغزالي " واللائحة تطول.

ومن أروع ما قرأت كتاب " إحياء علوم الدين " لأبي حامد الغزالي، حيث وضع الرجل يده على الداء،  من خلال دعوته إلى إحياء العلوم القويمة التي كانت سببا قويا في نصر ومجد الأمة الإسلامية، ردا للاعتبار ودفعا للشبهات التي التصقت بالأمة الإسلامية منذ عشرات السنين  .

لقد كانت خلفية الكتاب وغيرها من الكتب القديمة تهدف إلى تحريك المهتمين واستفزازهم علميا، لذلك كان لزاما من  القفز للانغماس في كتب الأحياء، لأجدني مولعا بعلم تمخض من علم الأصول، حيث تشرب من معينه ليصبح قائما بذاته ،بعدما كان فرعا منه – على خلاف بين الكثيرين-  وهو علم  جمع بين  اهتمام الأموات والأحياء  تأليفا وتصنيفا إنه " علم المقاصد " .

وقد وجدت في هذا العلم ما يشفي غليلي في الإجابة على كثير من الأسئلة، خاصة وأن السابقين من العلماء وضعوا لبنات للنهوض بأحوال الأمة دون وجود من يفعلها على أرض الواقع، حيث يلعب هذا العلم دورا كبيرا في إزالة اللبس على كثير من القضايا، لا من حيث الفهم فحسب، بل كذلك من جهة  القدرة على الممارسة الفعلية لما يتم فهم واستيعابه من النصوص الشرعية .

وقد خلصت من ذلك أن المجتمع الإسلامي  من حيث أفراده لا يعدو  أن يكون ثلاثة أصناف، صنف من المهتمين بالشأن الديني يشتغلون وفق معايير علمية، مستفرغين بذلك كل جهدهم وصولا إلى المعرفة الحقة، وصنف متفرع عن الفئة الأولى يقتصر على استراق السمع، ليشحن بمغالطات تنتج عنها سلوكات كان الإسلام ولا يزال أبد الدهر منها بريئا، وقد يشمل هذا الصنف زمرة من المثقفين – الفئة التي تهرف بما لا تعرف- .

أما الصنف الثالث فخارج عن دائرة إسلام المعرفة، يحتاج إلى تداخل المجهودات لتصحيح علاقته بالإسلام كمسلم، فهو محتاج إلى معرفة إسلامه كدين أكثر من إدراكه الإسلام في علاقته بالمعرفة، لجهله بكينونته داخل المنظومة الإسلامية، نتيجة انغماره في هوية الضالين – معرفيا لا عقديا –  وضعفه التام بالحد الأدنى بمقتضيات الدين الذي ينتمي إليه .

وبناء عليه فالمعرفة الإسلامية محتاجة أكثر من أي وقت مضى لمن يقودها، لا من حيث التحصيل فقط،  بل كذلك من حيث التوجيه السليم، وإرشاد ما تبقى من الفئات إلى الفهم الصحيح وإدراك تموقعها داخل المجتمع الإسلامي، إذ لا يليق بأفراد هذه الأمة أن تعيش بعقلية غير التي وهبها الله، وتستعير هوية غير التي تنتمي إليها، فما أحوجنا إلى ربط إسلام المعرفة بمعرفة الإسلام، لنستقيم على كلمة سواء.

عثمان كضوار