الثلاثاء, 02 نيسان/أبريل 2019 14:54

العدالة اللغوية، كلمة حق أريد بها باطل

في خضم اللغط الذي يصاحب مناقشة البرلمان للقانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، خاصة ما يتعلق بالمسألة اللغوية، يلاحَظ وجود فريقان:

الأول ينادي باعتماد اللغة العربية في التدريس، وتدريس اللغة الفرنسية كلغة من بين اللغات الأجنبية، والثاني ينادي باعتماد الفرنسية لغة للتدريس خاصة فيما يتعلق بالمواد العلمية، ولكل فريق في ما ينادي به منطلقاته ومبرراته، ففي الوقت الذي ينطلق فيه الفريق الأول من قناعة مفادها أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، بناء على منطوق الدستور الذي يتعين على الكل الانضباط إلى مقتضياته، ومن ثم وجبت حمايتها وتطويرها من خلال ممارسة التدريس بها والعمل على تجاوز الصعوبات التي يمكن أن تعترضها، مسترشدين بالتجارب الناجحة لجل الدول التي اعتمدت لغاتها الوطنية، وذلك بتوفير المعجمات العلمية وتنشيط حركة الترجمة من وإلى العربية لتوفير أمهات الكتب التي لا يمكن الاستغناء عنها  في مختلف مستويات التعليم، على أن يكون التعريب تعريبا وليس نصف تعريب كما هو الشأن حاليا بحيث إذا تصفحت دفتر أو كتاب إحدى المواد العلمية تجد أن المعادلات والعلاقات تكتب بالحرف اللاتيني والباقي بالحرف العربي مما يضطر معه الأستاذ إلى ازدواجية اللغة.

في ذات الوقت نجد أن الفريق الثاني يبرر اختياره بكون العربية لغة عاجزة عن مسايرة الحركة العلمية من جهة، وهذا أمر مردود عليه من قبل مختصين من أمثال اللغوي المقتدر الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري سواء في كتبه أو في محاضراته، أو لأن السياسيين يرسلون أبناءهم للدراسة وفق المناهج الأجنبية ويحثونهم على التمكن من اللغات، بينما أبناء الشعب يدرسون بالعربية، ومن ثم يطالبون بالعدالة اللغوية، التي يعنون بها تدريس أبناء الشعب بنفس المقررات والبرامج التي يتعلم بها أبناء الطبقة الميسورة، وهنا مربط الفرس، ذلك أنه إذا كان التبرير يبدو منطقيا ويستهوي العامة من الناس، فإن التنزيل العملي له لا يمكن إلا أن يثمر عكس منطوقه.

فلنعتبر جدلا بأنه تقرر أن يتم التدريس باللغة (وهم يقصدون الفرنسية) التي يُدرَّس بها أبناء الطبقة الميسورة، وأننا استوردنا المقررات التي يدرسونها، فمن أين لنا أن نوفر نفس الظروف من أساتذة متمرسين تلقوا تكوينا نظريا وعمليا في مستوى المهمة المأمولة، وعدة تجريبية ملائمة من حيث الكم والكيف تسمح للمتعلم بالتدرب على عناصر المنهج العلمي وتجسيدها على أرض الواقع، ومؤسسات تتوفر فيها شروط الراحة النفسية وأقسام غير مكتظة تسمح باعتماد البيداغوجية الفارقية التي تتعامل مع كل متعلم حسب مؤهلاته المعرفية والنفسية…؟ فإذا كانت هذه هي الشروط التي يستفيد منها أبناء الطبقات الميسورة فمن أين لها أن تتوفر لأبناء الطبقة الشعبية؟ فهل بمقدور الوزارة أو حتى الدولة اتخاذ الإجراءات القمينة بتوفير هذه الشروط؟ أَبِنِظَام التعاقد؟ الذي تَغِيبُ فيه أبجديات التكوين التي لولا مجهودات أولئك العصاميين لكان الوضع أسوأ مما هو عليه، ذلك أن الفوج الأول منهم لم يتلقى أي تكوين إن على مستوى المادة المدرسة أو على المستوى البيداغوجي والديداكتيكي بل وحتى على مستوى إتقان لغة التدريس، دون أن ندخل في طبيعة التكوين الذي استفادت منه الأفواج الأخرى. أم بالأقسام المكتظة؟ التي يستحيل فيها إشراك كل التلاميذ ولو لأقصر مدة ممكنة. أم بالمختبرات التي تقادمت معداتها وتُجووِزت حتى وإن كان بعضها لا زال صالحا؟ أم بنقص القاعات المختصة التي أصبحت تُعوَّض بقاعات التعليم العام إن وجدت؟ أم بالاستغناء عن التفويج، ومن ثم عن التجربة التي يفقد تدريس المواد العلمية مدلوله في غيابها؟

وسؤالي لهذا الفريق هل هناك استعداد لدى المسؤولين وضمانات لتوفير هذه الشروط وغيرُها كثير؟ أم أن إرضاء حفنة الفرنكوفونيين المتحكمين في التوجهات الاستراتيجية للبلاد مقابل المغامرة بأبناء الشعب وبمستقبل الهوية اللغوية والثقافية هي الخلفية المعتمدة؟ ذلك أنه بدون توفير هذه الشروط التي تعتبر بديهية، فإن الدعوة إلى التدريس بغير العربية دعوة غير مباشرة للتدريج في ظل عدم تكوين متين للأساتذة في لغات التدريس، وهو ما لوحظ بشكل من الأشكال في الممارسة الحالية لعملية شبه التعريب كما بينت سالفا، وذلك على الرغم من المجهودات الشخصية الذي يبذلها عدد من الأساتذة، وهي من الحجج التي يركب عليها مناوئو التعريب للقول بفشله، مع العلم أنه تم حقنه منذ البداية بفيروسات فقدان المناعة.

 لذلك أختم وأقول إن الدعوة إلى إلزامية تدريس أبناء الشعب بنفس المقررات والبرامج التي يتعلم بها أبناء الطبقة الميسورة أو ما يوصف لدى البعض بالعدالة اللغوية حق أريد به باطل.

الحسن جرودي