الجمعة, 29 آذار/مارس 2019 12:58

جدد ميثاقك

كلمة ألقيتها في الملتقى النسائي التاسع لجهة الوسط بعنوان " جددي ميثاقك"، لقد كانت همسة بصيغة المؤنث همستها في أذن أخواتي بالملتقى، واليوم أعدت صياغتها  لأهمسها في أذن كل قارئ قائلة " جدد ميثاقك".

نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة الى المراجعة والتجديد. في حاجة إلى انطلاقة جديدة ومتجددة مع الله أولا ثم مع النفس ثانيا. في هذه الظرفية العصيبة التي تمر بها الأمة وتمر بها كل الحركات الداعية إلى نهضة تبعث الروح من جديد في أوصال أمتنا، في هذه المرحلة بالذات نحن أحوج من أي وقت آخر الى بداية جديدة نعاود فيها التصالح مع قيمنا وأدوارنا.

فحال الأمة لن ينصلح إلا بصلاح أفرادها وقيامهم لأداء رسالتهم في هذه الحياة. ومنه وجب على كل فرد منا استشعار حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فهي مسؤولية كبيرة ربما قد تتجاوز حساباتنا وتصوراتنا، فالبناء أساسه أنا وأنت (بفتح التاء) وأنت (بكسر التاء) فليحرص كل منا أن يكون أساسا لا تهزه عواصف الفتن.

لكل منا محطة رسمت معالم البداية في تصالحه مع الله عز وجل ووضعه الأقدام على الطريق، طريق معرفة حقيقة الوجود (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56،. فاختار أن يكون مع الله وعلى هداه فبايع الله ورسوله(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المومنيين إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)الفتح18

 (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الممتحنة :12

فكانت البيعة وكان العهد بالسير على منهج الله وعلى خطى حبيبه محمد بن عبد اللهﷺ وكانت الغاية الجنة ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) التوبة 111.وللمحافظة على هذا العهد مع الله سبحانه وتعالى لابد من تعهد القلوب بالرعاية والتجديد وذلك :

  1 ـ بتجديد النية وإسلام الوجهة لأنها شرط لقبول الأعمال ( إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى...){رواه مسلم}، ولأنها محط نظر الله عز وجل ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ( رواه مسلم).

فلنحسن القصد لله ونتوجه إليه بقلوب مخلصة في كل صغيرة وكبيرة نقدم عليها حتى يكتب لأعمالنا القبول ولا نكون ممن قال فيهم ربنا في سورة الفرقان (وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا).

2 ـ بتجديد الثقة بالله أولا وقبل كل شيء، فالثقة بالله اطمئنان وتسليم له سبحانه وحسن ظن به جل وعلا فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللهﷺقال: ( إن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله).

 ولنتأمل موقف رسول اللهﷺ مع سراقة بن مالك حين اقتفى أثر رسول الله وصاحبه في الهجرة فماذا قال له المصطفى ﷺ؟؟ قال له ( كيف بك إذا لبست سواري كسرى وتاجه)، المتأمل للمشهد سيستنكر هذا الكلام من رجل في موقف ضعف وخوف فار من بطش قبيلته، ولكنها الثقة بالله وحسن الظن به والثقة في وعده، ثقة تتجلى في أسمى مظاهرها مع الحبيبﷺ. فلنجدد ثقتنا بخالقنا ونحسن الظن به ولا نستسلم لليأس بسبب ما نراه في واقعنا فقد مرت الأمة بفترات أحلك من هاته حتى حسب الناس أن لا مخرج بعدها. ولكن الله عز وجل كان يقيض لها من يخرجها من عنق الزجاجة لتسترجع أنفاسها من جديد وتستعيد ريادتها وتستعيد دورها.

والأمثلة من تاريخنا كثيرة، فبعد وفاة الحبيبﷺ كادت عاصفة الردة تأتي على الأخضر واليابس، وشاء الله أن يأخذ الزمام قائد مخلص كأبي بكر الصديق رضي الله عنه ويعيد الأمور إلى نصابها، وتمر السنين وينخر الضعف أوصال الأمة ويعيث التتار فسادا في الأرض واستعبادا لأهلها، ويشاء الله أن يتولى الأمر قائد محنك " سيف الدين قطز" فيمحق كيدهم ويعيدهم إلى جحورهم خاسئين.

إن قراءة التاريخ تزيدنا تمسكا وتماسكا وثقة بالله بعيدا عن نفس السلبية والتيئيس، فلنجدد ثقتنا بربنا ولا ننسى أن نجدد ثقتنا في بعضنا البعض، فبها تتعزز أواصر الأخوة وبها يسير الصف متراصا قويا، فقد نختلف أحيانا في الرأي أو في أسلوب العمل ولكن كل هذا لا يفسد الود الذي يجمعنا. فما يجمعنا أكثر وأكبر مما يفرقنا، يجمعنا الحب في الله والدعوة إلى الله، تجمعنا وحدة الغاية في ابتغاء وجه الله والدار الآخرة. فاستحضار الهدف الأسمى الذي من أجله اجتمعنا يقفل الباب على الشيطان ولا بترك مجالا للشك أو التشكيك ويزيدنا ثقة في بعضنا لأننا نجتمع لله وفي الله ومن كانت غايته رضا ربه ما همه شيء ولا ضره شيء.

ثم لابد ونحن في معرض الحديث عن الثقة أن نؤكد على تجديد الثقة في المشروع فمن انخرط في مشروع لا يثق فيه يكون انخراطه فيه عالة عليه لا آلة للدفع به إلى الأمام. فكل من ينخرط في مشروع فليسأل نفسه عن الإضافة النوعية التي يقدمها له وعن العمل أو الأعمال التي يسهر على تطويرها وإنجاحها حتى لا يقتصر دوره او ينتهي بحضور اجتماع أو ملتقى بل لابد أن تبقى روح العمل متوهجة فيه تبعده عن الفتور والاسترخاء (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) المؤمنون 61.

3 ـ بتجديد بنود الميثاق الذي عقدته مع ربك (...فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الأنعام 48، لقد كان ميثاقا غليظا بني على الإيمان والإصلاح. بني على إيمان ينير القلوب قبل الدروب، على إيمان يحرر النفس من القيود، قيود الجهل فلا تقبل إلا أن تكون من المقبلات على العلم والتعلم والتطوير الذاتي، وقيود التقاعس والكسل فلا تقبل إلا أن تكون في الصف الأول مع المبادرات معلنة الحرب على الكسل ولسان حالها قول خالد أبو شادي: وداعا أيها الكسل...أتاك العزم والعمل.

إن الإيمان هو الملاذ والعصمة فعلينا تعهده (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل 97، فهذا الإيمان هو الذي يهدينا حياة دافئة تفوح طيبا وطيبة وسعادة. وهذا الايمان هو الذي يدفعنا دفعا إلى النهوض للقيام بأدوارنا وأداء رسالتنا على بصيرة ونور من ربنا سبحانه ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف 108 ، واعين بالمسؤولية الكبيرة التي على عاتقنا ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) عازمين على بذل الجهد والوسع لأدائها على الوجه الأكمل مستحضرين قول الله عز وجل ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) البقرة 195.

4 ـ بتجديد الانتماء: إن انضمامك لصف هذه الحركة المباركة هو إعلان واع منك أنك اخترت السير على طريق الأنبياء، وانخراطك فيها هو استكمال لبنود الميثاق (..من آمن وعمل صالحا..). فالقيام للإصلاح والدعوة إلى الله عز وجل هو ميراث الأنبياء والمرسلين ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) فصلت 33. إن هذا الانتماء هو إضافة نوعية لحياتك لأنه يعطيها معنى ولآخرتك لأن ثمة الأجر العظيم والجزاء الجزيل. إنه نعمة من النعم التي من الله بها عليك يقولﷺ(إِنَّ لِلَّهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا...) (حسنه الالباني)، لذلك لابد أن نحرص على إعادة النظر في انتمائنا وأن نجدده كما نجدد إيماننا حتى لا يؤتى الصف من قبلنا فنحن عاهدنا ولا بد من الوفاء ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) الرعد 20، ولا نرض بأدنى مستويات العطاء بل لابد من الحرص على الإحسان في أدائنا ليكون " انتماؤنا حالة من الوعي الرفيع بالحق والواجب وإحساسا عقلانيا وسطيا لا يركن إلى التسيب والفوضى فتضيع الالتزامات والمسؤوليات وتتخلف الواجبات والأعمال ويسود الفتور والتهاون" (ذ.محمد شبون). ولا نلتفت للمثبطات والعوائق فطريق المصلحين لا تخلو من العقبات وسيرة نبينا خير ما نستعين به على الثبات فكلها دروس وعبر، فرغم ما لاقاه حبيبناﷺلم يتردد لحظة أو يساوره شك في رسالته حتى بلغها لنا عضة طرية لينقذنا والبشرية جمعاء من براثن الجهل والشرك والضلال.

الزهرة الكرش