السبت, 27 تشرين1/أكتوير 2018 14:27

حب وحنين

أولا - كشوف وإضاءات.

أن تكون للجماد مشاعر، أحاسيس، وأصوات....!!، يبدو الأمر في غاية الغرابة، لكن مع علم الجيولوجيا أضحى ما كان مستغربا شأنا حقيقيا، حيث فتح  لنا هذا العلم بابا ظل موصدا لعقود خلت، مؤداه إلى أن الصخور تملك بعضا من خصائص الكائن الحي، فبعض الصخور تنمو ويتضاعف حجمها- إذا وجدت البيئة المناسبة لذلك -، وبعضها يملك جذورا وحلقات عمرية، شبيهة بالأشجار، كما هو الحال في صخور تروفانتس في رومانيا. ويفاجئ بول ديفيريكس في كتابه " العصر الحجري" القارئ بظاهرة عجيبة، تكمن في انبعاثات صوتية خفية صادرة عن الصخور تتفاوت أشكالها وطبيعتها من مكان لآخر، وتم هذا الكشف من خلال تقنيات استشعار صوتية غاية في الحساسية، تفوق حاسة السمع عند الإنسان عشرات المرات. ويأتي مشروع" يو إس آراي"، هو الآخر، بقيادة عالمة الجيولوجيا الأمريكية " راشيل كورتلاند"، ومستندا في أبحاثه لأكثر من 400 تقنية ومرصد لدراسة الأرض، ليؤكد ما توصل إليه "ديفيريكس"، من انبعاث أصوات  جد ضعيفة من باطن الأرض لايمكن هي الأخرى رصدها بالأذن البشرية.

نتيجة: قد يبدو الجماد في الظاهر فاقدا لأدنى خصيصة حياتية، لكن الأبحاث خلصت أن بعض الصخور لها أنات- جمع أنين -، أشبه بأنين المخاض، وقد يكون هذا الصوت مرتبط بمخاض ولادة طبقات صخرية جديدة. كما أن بعضها- حسب هذه الأبحاث- تملك وسائل استشعار، وتفكير....، توجه تشكلاتها وحركتها، وسكونها...، ومرد الحجاب المسدول بين هذا الكشف العلمي والإنسان إلى أمرين، أولهما: أن تشكل الصخور يتم بشكل بطيء جدا، ونموها قد يحتاج أحيانا إلى ملايين السنين حسب علم الجيولوجيا، وثانيهما: أن عنصر الإستشعار لدى الإنسان يبقى بدائيا مقارنة بالعديد من الحشرات والحيوانات، والتي تلتقط الإشارات الصوتية الأولى للزلازل والبراكين، وغيرهما....، قبل حدوثها.

ثانيا - إرادة.....، وحب...

أ - إرادة الجماد.

يقول الله جل جلاله في سورة الكهف، الآية 77 (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه)، شاع بين بعض المفسرين أن المقصود بالإرادة (يريد أن ينقض ) وجهان: الأول، أنها مجازية، وليست على الحقيقة،"واستعيرت للمداناة والمشارفة" كما قال الزمخشري في الكشاف، والثاني، ربط الضمير بالخضر عليه السلام، وهذا تأويل لا يستقيم لما فيه من اضطراب واختلاق. لكن هل يعزب عن الله جل جلاله بث الإرادة في الجماد؟ وهل يستقل الإنسان بالإرادة عن غيره...؟. أولا: لا يستحيل أن تكون الإرادة في الجماد حقيقية، وهو الذي يسبح لله ويسجد له مع موكب الساجدين من أهل الأرض والسماء، ولن يحصل ذلك إلا بإرادة، يقول الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان:"وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقية، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالا لا يدركها الخلق."، ثانيا: الإرادة في الجماد حاصلة، لكن الإلتباس واقع من جهة عدم التمييز بين نوعين من الإرادات، نوع: يكون حسب القوة التسخيرية، وهذا يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ونوع: يستقل به الإنسان، وهو مرتبط بالقوة الإختيارية، يقول الراغب الأصفهاني في المفردات: والإرادة قد تكون بحسب القوة التسخيرية والحسية، كما تكون بحسب القوة الإختيارية.

ب - : حب بحب.

جاء في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أحدا جبل يحبنا ونحبه "، يقول النووي في شرحه لمسلم: " والصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا على الحقيقة، جعل الله فيه تمييزا يحب به."، ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه في البخاري: "صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله"، وقال:" اثبت احد، فما عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان."

ومادام جبل أحد قد أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت تحت قدميه، فمشاعر الحب، وإجابة الأمر، لا ينبثقان إلا عمن يري ويسمع، يعقل ويريد، يتحرك ويسكن، يحزن ويسر..، وهي أحوال وأحاسيس جلاها الله لنبيه إعجازا لمن خالفه، وزيادة في التصديق والإستسلام لمن آمن به، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه"، أخرجه مسلم في الفضائل.

لقد تفاعل هذا النبي الكريم مع الموجودات باختلاف مراتبها، من دقيقها إلى جليلها، ومن أصغرها إلى أرفعها، في بوتقة العبودية لله، وأمها -أي إماما- في تسبيح الله وتنزيهه، والسجود له، وبادلها سلاما بسلام، وحبا بحب،إذ لم يبخل قط على إنسان، أو حيوان،أو جماد، بحب وحنان...، تجلت هذه المشاعر في الأسماء الحسنة التي اختارها للحيوانات التي صاحبته - القصواء، دلدل، عفير، يعفور-، والآنية والأقداح التي سقته - مغيث، عيدان-، وتجلت كذلك في ضم الجدع لصدره، وإشفاقه عليه...، وفي محبته لإخوانه، واشتياقه لهم، أولئك  الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم ،ولم يروه....

فهلا بادلناه شوقا بشوق..؟ وحبا بحب...؟

ثالثا: حنين المساجد

في الكثير من السياقات التعبيرية، يراد بلفظ " حنين " صوت المشتاق الممزوج بالألم والحزن، وإن كانت المعاجم اللغوية تضيف معنى آخر ل "حنين"، وهو الصوت الذي يخالجه الفرح و السرور. لكن المقصود هنا هو المعنى الأول، فحنين المسجد إلى الناس متصل الزمان لا يتوقف...، حنين يستبطن مشاعر الحب للراكعين، وعواطف الود للساجدين، ويتحسس أحوال أولئك  الغافلين التائهين، فما من موضع فيه إلا ويسعد بعماره من المؤمنين، ويسر بأهله من الخاشعين، كل لبنة فيه وسارية قد ازينت، وتجملت لمقدم ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).

يحن المسجد اليوم إليك، ويدعوك لتحيا في مراتعه، ليشاركك همومك وغمومك بين يدي الله، وها هو يسأل عليه الصلاة و السلام أبا أمامة الأنصاري عن السبب الذي أجلسه في المسجد في غير وقت الصلاة، فيجيبه: "هموم لزمتني وديون يارسول الله،....". وهذا ليس بدعا من الأمر، إذ أن سنته عليه الصلاة والسلام أن يفزع إلى الصلاة في مسجده كلما  حزبه أمر  ليلقي بأحماله وأوجاعه بين يدي سيده ومولاه. يحن المسجد إليك لتسعى في نوره، وتومض معه مواطن القيام، ومواضع السجود، يقول أحد الحكماء: "أهل الأرض ينظرون في السماء نجوما متلألئة، والملائكة في السماء ينظرون نجوما متلألئة في بيوت الله"، يحن إليك بيت الله مع كل أذان وإقامة، ويبشرك في صلوات الليل خاصة  ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم:"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد، بالنور التام يوم القيامة"، حديث لترمذي وابي داود. يحن المسجد  ويتوق لأناس، كانوا من فرط تعلقهم به، أنهم يسعون إليه بالحب والأشواق، ينقل ابن المبارك في"الزهد"عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قوله: " ما جاء وقت صلاة قط إلا وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت إلا وأنا لها بالأشواق.". تحن أماكن  السجود، وتبكي بكاء الحبيب على محبوبه، على صفوة الناس بعد الرسل والصحابة، ممن تعلقت قلوبهم ببيوت الله، وقد غيبهم الأجل، وطوى أيامهم المنون، روى إبن أبي حاتم أن عليا رضي الله عنه قال" إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء،إن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا مصعد في السماء، ثم تلا قوله تعالى ( فما بكت عليهم السماء والأرض، وما كانوا  منظرين)، ولرحيل هؤلاء المؤمنين تئن المنابر، ولهجران أولئك الأحياء التائهين تحن المآذن، ولسان الحال يردد:

ما للمآذن تشتكي وتنوح        وتقول أن فؤادها مجروح

بنداود رضواني